التفتازاني
28
شرح المقاصد
الدواعي وعدم الصارف ، والعلم بجميع ذلك قطعي كسائر العاديات ، لا يقدح فيه احتمال انهم تركوا المعارضة مع القدرة عليها ، أو عارضوا ولم ينقل إلينا لمانع ، كعدم المبالاة وقلة الالتفات ، والاشتغال بالمهمات . وأما المقام الثاني فالجمهور على أن إعجاز القرآن لكونه في الطبقة العليا من الفصاحة ، والدرجة القصوى من البلاغة على ما يعرفه فصحاء العرب « 1 » بسليقتهم ، وعلماء الفرق بمهارتهم في فن البيان ، وإحاطتهم بأساليب الكلام . وهذا مع اشتماله على الإخبار عن المغيبات الماضية والآتية ، كما سنذكره ، وعلى دقائق العلوم الإلهية ، وأحوال المبدأ والمعاد ، ومكارم الأخلاق ، والإرشاد إلى فنون الحكمة العلمية والعملية ، والمصالح الدينية والدنيوية على ما يظهر للمتدبرين ويتجلى على المتفكرين ، وذهب النظام « 2 » وكثير من المعتزلة والمرتضى من الشيعة إلى أن إعجازه بالصرفة ، وهي أن اللّه صرف همم المتحدين عن معارضته مع قدرتهم عليها ، وذلك إما بسلب قدرهم ، أو بسلب دواعيهم ، أو بسلب العلوم التي لا بد منها في الإتيان بمثل القرآن . بمعنى أنها لم تكن حاصلة لهم ، أو بمعنى أنها كانت حاصلة فأزالها اللّه . وهذا هو المختار عند المرتضى ، وتحقيقه أنه كان عندهم العلم بنظم القرآن ، والعلم بأنه كيف يؤلف كلام يساويه أو يدانيه . والمعتاد أن من كان عنده هذان العلمان يتمكن من الإتيان بالمثل ، إلا أنهم كلما حاولوا ذلك ، أزال اللّه تعالى عن قلوبهم تلك العلوم . وفيه نظر . واحتجوا أولا بأنا نقطع بأن فصحاء العرب كانوا قادرين على التكلم بمثل
--> ( 1 ) في ( ب ) بزيادة لفظ ( جميعهم ) ( 2 ) هو إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري أبو إسحاق النظام من أئمة المعتزلة قال الجاحظ : الأوائل يقولون في كل ألف سنة رجل لا نظير له فإن صح ذلك فأبو إسحاق من أولئك : تبحر في علوم الفلسفة ، واطلع على أكثر ما كتبه رجالها من طبيعيين وإلهيين ، وانفرد بآراء خاصة تابعته فرقته من المعتزلة وسميت باسمه ، وبين هذه الفرق وغيرها مناقشات طويلة ، وقد ألفت كتب خاصة للرد على النظام وفيها تكفير له وتضليل أما شهرته بالنظام فأشياعه يقولون إنها من إجادته نظم الكلام ، وخصومه يقولون إنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة ، وفي كتاب الفرق بين الفرق أن النظام عاشر في زمان شبابه قوما من الثنوية متأثر بهم توفي عام 231 ه